محمد المقداد الورتتاني
242
البرنس في باريس
باريز ، وهو اختلاط خلق عظيم أمام الواجهة الغربية وعلى درجها . وغوغاء بدون انتظام ولا فهم كلام . يذكرون أن التجار بها يربحون أموالا طائلة تفوق أعمال الكيمياء التي لها أسرار فيما أخبروا ، ولكن لا يعرفها إلّا أربابها . وحقيقة هم شياطين ، فلا عجب إذا كان ذلك السر مكتوما على بقية المتفرجين ، وكلما أعدت النظر إلى ذلك السوق يوما بعد آخر وما به من الهرج والمرج وفي ضمنه أرباح عريضة لبعض أناس وخسارة لآخرين وقوم لا يفهمون ، والبعض عن تلك الأسرار غافلون إلّا ولاح لي تشبيهه بالدنيا وأبنائها ، وموقفهم فيها وتكالبهم عليها ، فلو نظر إلينا سكان الكواكب بمرآتهم المكبرة أو حلق بعضهم على رؤسنا أو أتانا زايرا متى وصلت إليهم طياراتنا لرأونا على هذا البساط الترابي كجماعة البورصة ، وأخذهم العجب من شديد عناء البشر ومصارعة الدهر لسكان كوكب الأرض ومنافسة بعضهم لبعض . وكنت أقرأ على سوق البورصة عند منصرفي نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 6 - أنواع العلوم والأمن ومنازل الراحة للغرباء في باريز أمر عرفته لها كل القارات ، فيقصدونها لاقتباس العلوم العالية والفنون المستظرفة ، فيلذ لهم المقام في مواطن الأمن ومنازل النعيم والراحة . وقد تكلمنا في فصل الحسبة والبوليس على اعتناء إدارة المحافظة بالغرباء وكف يد العادية عنهم ، يجد المسافرون في منازل السكنى بجوار العائلات أو بالأوتيلات ساير المرافق بأسعار تناسب كل نفس على حسب وسعها . فالزاير لباريز يمكنه العيش بالإنفاق فيها من سعته أو على حسب ما آتاه الله ، فأسعار المعاش ولوازم السكنى ليست بغالية . وابن خلدون يقول إذا استبحر المصر وكثر ساكنه رخصت أسعار الضروري من القوت ، وما في معناه ، وغلت أسعار الكمالي ، وإذا قل ساكن المصر وضعف عمرانه كان الأمر بالعكس . وأكثر أكل السكان في المطابخ القائمة في كافة الطرقات ولا يتحرجون من استدعاء ضيوفهم لها حيث ما يعدونه بمنازلهم لا يكون أكثر مما يوجد بالمطابخ التي تملأ قائماتها أسماء المآكل ، حتى يضل الغريب في قاموس تلك الأعلام التي كأنها نحتت من لغة الصين ، ولا يهتدي لجيدها من رديئها ما لم يكن حافظا